الشيخ محمد الصادقي الطهراني

84

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

الواسعة الفسيحة ، فان لك اضطراباً في غمرات المجتمع ، وتقلباً في هجماته ، ومتصرفاً ومتسعاً ، ومذهباً منفسحاً ، تقتضي فيه أوطارك ، وتبلغ مآربك ، وتنجي الغرقى من ورطات الغمرات العميقة ، وتحارب أمواجه الضاربة في الأعماق المضطربة ، فهذا السبح الطويل في نهارك ، بحاجة إلى تسبيح طويل في ليلك ، تسبيح يعدك للسبح ، ولكي تنجو من ورطاته ، وتنجي الناس جميعاً من غمراته ، فإنك سفينة النجاة ! . « وَاذْكُرْ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا » « 1 » : فقيامه صلى الله عليه وآله يشمل ناشئة الليل ، بصلاته وترتيل القرآن ، وذكر اسم الرب ، والتبتل اليه تبتيلًا ، وليأخذها زاداً في سبحه الطويل . « واذكر اسم ربك » : ولأنك تحمل في رسالتك بلاغ الربوبية والتربية الإلهية ، فعليك أن تذكر اسم ربك بقلبك ، فهو مصدر الذكر ومورده أولًا وبقالبك : بلسانك وجوارحك وفي كافة تصرفاتك ، ذكر القلب الحاضر مع اللسان الذاكر ، وأكمله الصلاة فإنها كلها ذكر اللَّه وتحميده وتمجيده وتعظيمه بالأقوال والأفعال والإشارات . « وتبتل اليه تبتيلا » . . هكذا ذكرٍ شامل كامل يبتِّلك إلى ربك ، فالانقطاع إلى اللَّه على قدر الواقع من ذكر اللَّه ، والتبتل إلى الرب هو الانقطاع الكلي عما سواه والاتجاه التام اليه ، والإنفلات من كل شاغل وخاطر ، لكنما المرجو من تبتلك أن يحمل معه التبتيل « وتبتل اليه تبتيلًا » لا « تبتلا » تبتلا لك يحمل تبتيلًا لمن أرسلت إليهم ، فكما كان قيامك بالليل تهيؤاً لتلقي القول الثقيل ، ولتسبح نهارك الطويل ، كذلك ليكن تبتلك للتبتيل . فليس الإتيان بالتبتيل هنا لمجرد رعاية الوزن والتجميل « طويلا . تبتيلا » فالقرآن كتاب معنى قبل أن يحمل الوزن في التعبير ، وقد يناسب وزن المعنى وزن التعبير كما هنا « وتبتل اليه تبتيلا » تبتلا ينحو في طياته منحى التبتيل لتنقطع إلى اللَّه ، لك كمحمد ، وللمرسل إليهم كرسول ، فكما على الرسول أن يتبنى شخصه ليصلح الرسالة ضمن صناعة نفسه كعبد شكور ، فعليه - كرسول - أن يتبنّى المجتمع الذي أرسل إليهم .

--> ( 1 ) . 73 : 8